تواجه أدوية السكري وأدوية السمنة من فئة «GLP-1» تدقيقًا متزايدًا في الولايات المتحدة، مع اتساع نطاق الدعاوى القضائية التي تزعم وجود صلة بين استخدام عدد من هذه العلاجات والإصابة باعتلال العصب البصري الأمامي الإقفاري غير الشرياني «NAION»، وهي حالة نادرة قد تسبب فقدانًا مفاجئًا، وأحيانًا دائمًا، للرؤية.
وبلغ عدد الدعاوى الفيدرالية المعلقة والمجمعة ضمن القضية متعددة المناطق «MDL No. 3163» نحو 216 دعوى حتى الأول من سبتمبر 2026، مقابل 200 دعوى في بداية أغسطس و146 دعوى مطلع يوليو، وفق بيانات الدعاوى المعلقة الصادرة عن اللجنة القضائية الأمريكية المختصة بالقضايا متعددة المناطق «JPML».
وتنظر المحكمة الفيدرالية للمنطقة الشرقية من بنسلفانيا في الدعاوى المجمعة، التي تتضمن ادعاءات بأن استخدام أدوية من فئة GLP-1 تسبب في إصابة المدعين بـ«NAION»، إلى جانب اتهامات تتعلق بعدم كفاية التحذيرات وتصميم المنتجات. ولا تعني إحالة القضايا إلى مسار قضائي موحد ثبوت وجود علاقة سببية بين الأدوية والحالة المرضية.
وتستهدف الدعاوى بصورة رئيسية شركتي «نوفو» و«إيلي ليلي»، وتشمل أدوية واسعة الاستخدام لعلاج السكري والسمنة، من بينها «أوزمبيك» و«ويجوفي»، إلى جانب أدوية أخرى من الفئة مثل «مونجارو» و«زيب باوند» و«تروليسيتي»، فيما يقول المدعون إن الشركات لم تقدم تحذيرات كافية بشأن احتمال حدوث فقدان مفاجئ للرؤية.
وتزامن تصاعد الدعاوى مع استمرار الجدل العلمي والتنظيمي بشأن طبيعة العلاقة بين هذه الأدوية و«NAION»، إذ لا تزال هيئة الغذاء والدواء الأمريكية «FDA» تقيّم الإشارة المحتملة للسلامة، في وقت لم تصل فيه الدراسات المنشورة حتى الآن إلى نتيجة موحدة تثبت بصورة قاطعة أن أدوية GLP-1 تسبب الحالة مباشرة.
وبدأت المخاوف تحظى باهتمام واسع منذ عام 2024، عقب ظهور بيانات بحثية أشارت إلى ارتباط محتمل بين استخدام «السيماجلوتيد»، المادة الفعالة في «أوزمبيك» و«ويجوفي»، وزيادة معدلات الإصابة بـ«NAION» لدى بعض المرضى، قبل أن تسجل دراسات لاحقة نتائج متفاوتة بشأن حجم الخطر وطبيعة العلاقة السببية.
وفي المقابل، اتخذت السلطات التنظيمية الأوروبية موقفًا أكثر حسمًا فيما يتعلق بـ«السيماجلوتيد»، بعدما خلصت لجنة تقييم مخاطر اليقظة الدوائية التابعة لوكالة الأدوية الأوروبية «PRAC» إلى تصنيف «NAION» أثرًا جانبيًا «نادرًا جدًا» للأدوية المحتوية على السيماجلوتيد، وهي «أوزمبيك» و«ويجوفي» و«ريبلسوس».
ووفقًا للوكالة الأوروبية، قد تحدث الحالة لدى ما يصل إلى شخص واحد من بين كل 10 آلاف مستخدم للسيماجلوتيد، فيما أشارت نتائج عدد من الدراسات الوبائية الكبيرة إلى ارتباط استخدام المادة لدى البالغين المصابين بالسكري من النوع الثاني بزيادة تقارب الضعف في خطر الإصابة بـ«NAION» مقارنة بغير المستخدمين، بما يعادل نحو حالة إضافية واحدة لكل 10 آلاف شخص-سنة من العلاج.
كما أدرجت السلطات الأسترالية «NAION» ضمن معلومات السلامة الخاصة بمستحضري «أوزمبيك» و«ويجوفي» المحتويين على السيماجلوتيد خلال تحديثات معلومات المنتجات في يونيو 2026.
ويُعد «NAION» أحد اضطرابات العصب البصري الناتجة عن انخفاض تدفق الدم إليه، وقد يؤدي إلى فقدان مفاجئ وغير مؤلم للرؤية في إحدى العينين، وفي بعض الحالات يمكن أن تكون الأضرار دائمة.
إلا أن تقييم العلاقة بين المرض وأدوية GLP-1 يواجه تعقيدات، إذ إن عددًا من عوامل الخطورة المرتبطة بـ«NAION» توجد بالفعل لدى شرائح من المرضى الذين تستخدم لديهم هذه الأدوية، ومن بينها السكري، وارتفاع ضغط الدم، وانقطاع النفس أثناء النوم والتقدم في العمر، ما يجعل تحديد الدور المستقل للدواء محل دراسة مستمرة.
ويشدد متخصصون على ضرورة النظر إلى حجم الخطر المحتمل في ضوء الفوائد المثبتة لهذه العلاجات لدى المرضى المؤهلين لاستخدامها، خاصة في السيطرة على السكري والسمنة وتقليل بعض المخاطر القلبية الوعائية، مع تقييم عوامل الخطورة لكل مريض على حدة.
من جانبها، ترفض «نوفو» الادعاءات الواردة في الدعاوى القضائية الأمريكية، مؤكدة أنها تتعامل بجدية مع تقارير الآثار الجانبية وأن الدعاوى «تفتقر إلى الأساس»، فيما قالت «إيلي ليلي» إنها تواصل متابعة بيانات السلامة المتعلقة بصحة العين ومراجعة الأدلة العلمية المتاحة.
ولا تزال القضية في مراحلها القضائية المبكرة، ولم تحدد المحكمة حتى الآن مسؤولية الشركات أو تثبت أن الأدوية محل الدعاوى تسببت في الإصابات المزعومة، فيما يستمر بالتوازي تقييم الأدلة العلمية والتنظيمية لتحديد حجم الخطر وطبيعة العلاقة، إن وجدت.
وينصح متخصصون المرضى الذين يستخدمون هذه الأدوية بعدم وقف العلاج من تلقاء أنفسهم، والتواصل مع الطبيب عند حدوث فقدان مفاجئ للرؤية أو تدهور سريع في الإبصار، مع تقييم المنافع والمخاطر بصورة فردية لكل حالة. وفي أوروبا، توصي المعلومات التنظيمية بإيقاف السيماجلوتيد إذا تأكد تشخيص «NAION».










