شهد عام 2026 أزمة لافتة هزّت سوق حليب الرضع العالمي، بعدما كشفت تحقيقات مخبرية عن وجود مادة «السيريوليد» السامة في أحد المكونات المستخدمة في تصنيع تركيبات حليب الأطفال.
ولم تكن الأزمة مجرد تحدٍ تقني أو صحي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لنهج إدارة الأزمات لدى اثنتين من أكبر الشركات في هذا القطاع، وهما «دانون» و«نستله». وبينما واجهت الشركتان المشكلة نفسها، جاءت استجابتهما مختلفة بشكل واضح، بما يعكس تباين الفلسفة الإدارية في التعامل مع الأزمات: بين التركيز على الحماية القانونية من جهة، والاستثمار في الثقة والسمعة من جهة أخرى.
تجنب المسؤولية
في حالة «دانون»، تبنت الشركة منذ المراحل الأولى نهجًا دفاعيًا اتسم بالتحفظ. فقد ركزت في بياناتها على أن مصدر التلوث يعود إلى مورد خارجي، مؤكدة أن المشكلة ذات طبيعة كيميائية في أحد المكونات الأولية، وليست نتيجة خلل في عمليات التصنيع داخل مصانعها.
وعلى المستوى القانوني، سعت الشركة إلى وضع الأزمة ضمن إطار المسؤولية المشتركة في سلسلة التوريد، في محاولة لحصر مسؤوليتها المباشرة.
حماية قانونية محتملة
غير أن هذا النهج، رغم ما قد يوفره من حماية قانونية محتملة، انعكس سلبًا على مستوى ثقة المستهلكين. فقد أدى التأخر النسبي في الإفصاح عن المعلومات، والتركيز على التفسير القانوني للأزمة بدلًا من طمأنة الجمهور، إلى تصاعد الانتقادات، بل وفتح الباب أمام بلاغات جنائية تتهم الشركة بتعريض حياة الرضع للخطر.
وأظهرت هذه التطورات أن المستهلكين لا يلتفتون عادةً إلى التعقيدات التعاقدية بين المصنعين والموردين، بل ينظرون إلى الشركة المالكة للعلامة التجارية باعتبارها المسؤول النهائي عن سلامة المنتج.
سياسة «الاعتذار المفتوح»
في المقابل، قدمت «نستله» نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمة، اتسم بالاستباقية والشفافية. فبمجرد ظهور نتائج مخبرية أولية تشير إلى احتمال وجود مشكلة، أعلنت الشركة عن سحب طوعي سريع لبعض منتجات حليب «نان» من الأسواق، حتى قبل صدور قرارات إلزامية من الجهات الرقابية.
كما اعتمدت الشركة ما وصفه مراقبون بسياسة «الاعتذار المفتوح» في التواصل مع الجمهور، إلى جانب إطلاق منصات رقمية تتيح للآباء والأمهات التحقق من أرقام التشغيلات الخاصة بالمنتجات، ومعرفة ما إذا كانت ضمن الدفعات المتأثرة. وهدفت هذه الخطوة إلى سدّ الفراغ المعلوماتي الذي غالبًا ما يغذي الشائعات في مثل هذه الأزمات، عبر توفير أكبر قدر ممكن من البيانات للمستهلكين.
إحتواء تداعيات الأزمة
ورغم التكلفة المالية الكبيرة المرتبطة بسحب كميات من المنتجات التي قد يتبين لاحقًا أنها سليمة، فإن هذه الاستراتيجية منحت الشركة هامشًا واسعًا من المصداقية، وأسهمت في احتواء تداعيات الأزمة على سمعتها.
كما ساعدت في تجنب تصعيد قانوني مماثل لما واجهته منافستها، إذ أظهرت الشركة التزامًا يتجاوز الحد الأدنى من المتطلبات القانونية إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية تجاه المستهلكين.
وتكشف المقارنة بين النهجين عن حقيقة أساسية في الصناعات شديدة الحساسية مثل أغذية الرضع: لا يكفي أن تكون الشركة غير مخطئة قانونيًا، بل يجب أن تبدو أيضًا متحملة للمسؤولية أخلاقيًا أمام الجمهور.
مخاطر تآكل الثقة
فنهج «دانون»، القائم على إبراز المسؤولية المشتركة في سلسلة التوريد، قد يوفر حماية قانونية قصيرة الأمد، لكنه يحمل مخاطر تآكل الثقة وامتداد النزاعات القانونية لفترات طويلة.
الاحتواء الاستباقي والشفافية
في المقابل، يمثل نهج «نستله»، القائم على الاحتواء الاستباقي والشفافية، استثمارًا في ما يعرف بـ «رأس المال المعنوي» للعلامة التجارية، وهو عنصر حاسم في استعادة ثقة المستهلكين وتسريع تعافي الشركات بعد الأزمات.
وفي المحصلة، دفعت أزمة 2026 قطاع أغذية الرضع نحو مرحلة جديدة من التشدد الرقابي والشفافية. ويتوقع خبراء أن تتجه التشريعات الدولية خلال السنوات المقبلة إلى فرض أنظمة تتبع رقمية أكثر تقدمًا داخل سلاسل التوريد، وربما الاستفادة من تقنيات تضمن تتبع كل مكوّن داخل المنتج النهائي. وهو ما قد يجعل الشفافية في هذا القطاع ليست مجرد خيار إداري، بل متطلبًا تقنيًا وتنظيميًا أساسيًا.











