«صن فارما» تنتقل من نموذج الأدوية النوعية منخفضة التكلفة إلى العلاجات المتخصصة ذات الهوامش المرتفعة
«صن فارما» تستحوذ على «أورجانون» لتعزيز حضورها في أسواق رئيسية مثل الصين
الصفقة تُدخل الشركة إلى مجالات جديدة مثل الأدوية الحيوية المماثلة وتوسّع محفظتها العلاجية
التحول يرفع المخاطر مع تحمّل ديون بنحو 8 مليارات دولار واحتمال تباطؤ وتيرة النمو
دمج العمليات والثقافة المؤسسية هو التحدي الأكبر لضمان نجاح التوسع العالمي
قبل أكثر من عقد، أدرك الملياردير الهندي ديليب شانغفي، الذي كوّن ثروته من بيع الأدوية النوعية رخيصة الثمن حول العالم، أن التحول إلى العلاجات المتخصصة سيكون مفتاح النجاح في السوق المحلية المزدحمة.
في الأسبوع الماضي، كشفت شركة «صن فارماسيوتيكال إندستريز» (Sun Pharmaceutical Industries) عن صفقة بقيمة 12 مليار دولار، ربما تكون أكبر اختبار حتى الآن لمساعي الشركة منذ زمن طويل للتحول إلى عملاق دولي. وافقت الشركة على الاستحواذ على شركة «أورجانون آند كو» (Organon & Co)، ومقرها في نيوجيرسي، في صفقة نقدية بالكامل تُعدّ من بين أكبر عمليات الاستحواذ الخارجية في تاريخ الهند، ما يضع شانغفي أمام تحدي دمج كيان ضخم ومعقد.
الشركات الهندية تتوسع عالمياً
قال كيرتي غانوركار، المدير التنفيذي لـ«صن فارما» في مقابلة: “السؤال الأساسي، على الأقل بالنسبة لي ولديليب بهاي، كان: كيف نتحول إلى شركة عالمية؟” في إشارة إلى مؤسس الشركة، المعروف في القطاع بلقب “ديليب بهاي”، وهي كلمة هندية تعني “الأخ” وفقا للشرق بلومبرج.
وأضاف غانوركار أن الشركة بحاجة إلى توسيع حضورها العالمي، بما يشمل دخول السوق الصينية وفيرة الأرباح، إلى جانب امتلاك أصول أكثر تعقيداً.
تعيد صفقة «أورجانون آند كو» طرح تساؤلات حول قدرة الشركات الهندية على التحوّل إلى لاعبين عالميين. فبينما حققت بعض الشركات نجاحاً، مثل استحواذ “تاتا غروب” (Tata Group) على “جاغوار لاند روفر” (Jaguar Land Rover)، فقد تكبّدت أخرى إخفاقات مكلفة، مثل رهان “بهارتي إيرتل” (Bharti Airtel) على أفريقيا، ما يترك المستثمرين في حالة ترقب بشأن قدرة الشركات الهندية على التوسع عالمياً على غرار نظيراتها في اليابان والصين وكوريا الجنوبية.
رهان على العلاجات المتخصصة
رغم أن شركات الأدوية الهندية عُرفت بتقليد الأدوية وتسويقها عالمياً بتكلفة منخفضة، بدأ شانغفي منذ عام 2014 شراء أصول علاجية مبتكرة، في تحول تدريجي نحو العلاجات المتخصصة ذات الهوامش المرتفعة.
وقال غانوركار إن «أورجانون»، بمحفظتها المتخصصة في صحة المرأة بما يشمل علاجات سرطان الثدي ووسائل منع الحمل وهشاشة العظام وانقطاع الطمث، تستوفي جميع معايير «صن فارما».
ومن خلال صفقة واحدة، ستصبح أكبر شركة أدوية في الهند قادرة على الانضمام إلى مصاف كبرى شركات الأدوية العالمية، عبر إضافة مجموعة من العلاجات المبتكرة التي يتم العمل عليها، ودخول سوق الأدوية الحيوية المماثلة، وهي نسخ شبه مطابقة من الأدوية البيولوجية المتوفرة، إلى جانب التوسع في الصين، ثاني أكبر سوق دوائية في العالم.
كما أن أول استحواذ لـ«صن فارما» على أصل مبتكر، “إيلوميا” (Ilumya) تعود جذوره إلى مختبرات “أورغانون”، في خطوة تعيد العلاقة بين الشركتين إلى نقطة البداية.
صفقات تصنع عملاقة الأدوية
شكلت الصفقات حجر الزاوية في استراتيجية «صن فارما» للنمو، حيث اقتنص شانغفي عشرات الشركات الصغيرة، إلى جانب صفقات أكبر، أبرزها شراء “رانباكسي لابوراتوريز” (Ranbaxy Laboratories) مقابل 3.4 مليار دولار في عام 2014.
هذا التوسع أسهم في تحويل الشركة التي أسسها قبل أكثر من أربعة عقود، بفريق تسويق من شخصين في بلدة صغيرة بولاية غوجارات، إلى كيان يحقق إيرادات سنوية تبلغ 6.2 مليار دولار.
ويأتي نحو ثلث مبيعات الشركة حالياً من الولايات المتحدة، فيما تصل قيمتها السوقية إلى نحو 46 مليار دولار
تجربة جديدة محفوفة بالتحديات
لكن حجم هذه الصفقة يدفع شركة «صن فارما» نحو تجربة جديدة مليئة بالتحديات.
بالرغم من أن «أورجانون»، تبدو أداة مثالية لتوليد التدفقات النقدية، فالصفقة تنطوي على بعض التحديات، بحسب فيشال مانشاندا، المحلل لدى “سيستماتيكس إنستيتيوشنال إيكويتيز” (Systematix Institutional Equities).
وقال “لا توجد رؤية واضحة بشأن نمو (أورجانون) على المدى الطويل”، كما لم يتضح بعد ما إذا كانت منتجاتها الجديدة قادرة على تعويض موجة انتهاء براءات الاختراع المرتقبة. وأضاف أن الشركة تمتلك أيضاً “محفظة كبيرة من الأدوية النوعية ذات العلامات التجارية التي لا تسجل نمواً”.
كما أن ديون «أورجانون»، البالغة 8 مليارات دولار، والتي ستتحملها «صن فارما»، تشكل تحدياً إضافياً لشركة عُرفت تاريخياً بميزانيتها المحافظة. ويزيد من هذا العبء احتمال أن تعطي “صن” الأولوية لسداد الديون على حساب التوسع، ما يترك هامشاً ضيقاً للخطأ في عملية الدمج.
وقد يجد المستثمرون، الذين طالما قيّموا «صن فارما» على أساس قوتها المالية، أنفسهم أمام مراجعة لتوقعاتهم مع ارتفاع مستويات المديونية.
كما ستواجه الشركة بعد التوسع تحدي إدارة محفظة أوسع وأكثر تنوعاً، تمتد من الأدوية النوعية إلى العلاجات المبتكرة والأدوية الحيوية المماثلة.
ويخشى بعض المحللين، من بينهم ميهول شيث وديفياكسا أغنيهوتري من “إتش دي إف سي سيكيوريتيز”، أن يؤدي بطء وتيرة نمو “أورغانون” إلى خفض معدل نمو “صن فارما” من نطاق 10% إلى 12% سنوياً إلى مستويات تحوم حول 5%.
ارتفاع السهم
رغم ذلك، قُوبلت الصفقة بالترحيب من المستثمرين حتى الآن، إذ قفز سهم «صن فارما» بنحو 7% في 27 أبريل عقب الإعلان، وواصل الصعود لينهي الأسبوع على مكاسب تقارب 12%.
وقالت جايشري ساتاغوبان، المديرة المالية للشركة، في مقابلة، إن الأولوية القصوى هي إنشاء مكتب لإدارة التكامل، من أجل تقييم سلاسل الإمداد ومواءمة العمليات خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر، قبل الشروع في أي خطوات استراتيجية كبرى.
وبحسب غانوركار، يكمن التحدي الأكبر في دمج فرق العمل والثقافة المؤسسية لكل من الشركتين، وربما يفوق ذلك حتى تعقيدات توحيد محافظ المنتجات وسلاسل الإمداد.
قال كيرتي غانوركار “الأمر يتطلب وقتاً، وعليك دائماً أن تظهر للطرف الآخر أنه جزء من هذه المؤسسة وقادر أيضاً على الإسهام في النمو”، مؤكداً أن الاندماج بين الثقافات المختلفة ضرورة لا غنى عنها.
غانوركار الذي شارك في جميع استحواذات “صن فارما” بدأ مسيرته قبل ثلاثة عقود كمساعد تنفيذي لديليب شانغفي، قبل أن يتدرج في المناصب وصولاً إلى قيادة الشركة.
وخلال اجتماع داخلي الأسبوع الماضي، خاطب غانوركار وشانغفي وجايشري ساتاغوبان، إلى جانب أعضاء من الإدارة، نحو 43 ألف موظف في «صن فارما» بشأن الصفقة. وقال غانوركار إن معظمهم أبدى تفاعلاً إيجابياً، رغم طرح بعض التساؤلات حول فرص العمل العالمية وخطط الشركة لبناء نشاطها في الأدوية الحيوية المماثلة، وهو مجال جديد كلياً.
وأضاف أن هذه التساؤلات تشكل بالفعل محور تركيز الإدارة حالياً، قائلاً: “الآن تبدأ المرحلة الأصعب… الآن يبدأ العمل”.








